ابن ميثم البحراني

89

شرح نهج البلاغة

الثاني : من لوازمه استرزاق الخلق الَّذين من شأنهم أن يسألوا الرزق لا أن يطلب منهم وفي ذلك من الذلّ والخضوع للمطلوب منه ومهانة النفس واشتغالها عن التوجّه إلى المعبود ما يجب أن يستعاذ باللَّه منه ، ومن أدعية زين العابدين عليه السّلام : تمدّحت بالغنى عن خلقك وأنت أهل الغنى عنهم ، ونسبتهم إلى الفقر وهم أهل الفقر إليك فمن حاول سدّ خلَّته من عندك ورام صرف الفقر عن نفسه بك فقد طلب حاجته من مظانّها وأتى طلبته من وجهها ، ومن توجّه بحاجته إلى أحد من خلقك أو جعله سبب نجحها دونك فقد تعرّض للحذمان واستحقّ من عندك فوت الإحسان . وإنّما حكم عليه باستحقاق فوت الإحسان لعدم استعداده لنفحات اللَّه بالتوجّه إلى غيره واشتغال نفسه بذلك الغير ، ونبّه بقوله : طالبي رزقك على عدم أهليّتهم لأن يطلب منهم . الثالث : استعطاف شرار خلقه ، وظاهر أنّ الحاجة قد تدعو إلى ذلك ، والتجربة تقضى بأنّ طلب العاطفة من الأشرار والحاجة إليهم يستلذّ معه ذو المروّة طعم العلقم ويستحلي مذاق الصبر . الرابع : الابتلاء بحمد المعطى والافتنان بذمّ المانع ، وذلك مستلزم للصرف عن اللَّه والتوجّه إلى القبلة الحقيقيّة ، والواو في قوله : وأنت . للحال : أي لا تبذل جاهي بالإقتار فيلحقني بسببه ما يلحقني من المكاره المعدودات وأنت من وراء ذلك كلَّه أولى من أعطى ومنع بأن تعطى وتمنع لقدرتك على كلّ شيء ، ومفهوم كونه وراء ذلك كلَّه إحاطته وكونه مستند الغنى وأهله المحتاج إليهم من الخلق وأولى بإزالة الفقر ولوازمه لقدرتك على صرفه والأغنياء عن الخلق لأنّ كونه محيطا وكونه مستندا مستلزمان للورائيّة فالمستند الوراء المعقول للمعقول والمحسوس للمحسوس ، وباللَّه التوفيق . 217 - ومن خطبة له عليه السّلام دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ وبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ - لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا ولَا تسْلَمُ